أبريل 18, 2021

احزاب نيوز

أحدث الأخبار

العنف الأسرى .. نحو دليل لتربية الرجل “النبيل”


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يعبر بعض ما نتابعه إعلاميًا من حوادث عنف متفرقات تصيب الفتيات والنساء عن حالة مدانة وجديرة بالتوقف والتأمل والنقاش المجتمعي الموسع؛ ليكون ذلك دليلا نحو بناء مسارات تعامل رشيدة للحد من تلك الحوادث، ولن يكون كافيًا هنا الانتهاء عند مجرد المتابعة المكثفة من الجهور تألمًا ورفضًا، بينما تظل تلك الحوادث تجرى عبر الزمن، بل لا بد أن يتزامن مع ذلك اضطلاع مؤسسي شامل ببناء وعي يتحول إلى ممارسة وتقاليد تمنع إعادة إنتاج تلك الحوادث المقيتة المنهكة للروح الإنسانية، وذلك على مستويين أولهما تأهيل تربوي مبكر ومستمر عبر الأنشطة التعليمية لوعي وسلوكيات الطفل والشاب، يتزامن معه بناء حصانة رشيدة لدى الفتاة والمرأة بمكانتها والوعي المشدد بضرورة عدم السماح أو تقبل المستويات الدنيا من انتهاك إنسانيتها تحت أي مبررات، وحيث سرعان ما تتطور -حين التغاضي عنها-؛ لتكون أذى كبيرًا.

مهم تماما في هذا الصدد ألا تقف التغطية الإعلامية لهذه الحوادث عند حيز أنها مجرد جرائم مما يُعتاد تغطيته في صفحات وبرامج الجريمة والحوادث، بل تأكيد المحتوى على أنها تعبر عن خروقات مجتمعية خطيرة، وأنها تحتاج تدريبًا ووعيًا خاصًا في مجال تغطيتها وتقديمها للجمهور، وبما يساعد على محاصرتها من خلال بيان خطورتها وعواقبها الشخصية والمجتمعية وأضرارها الإنسانية الأفدح وطرق التفادي والمواجهة وطبيعة الجهات التي يمكن اللجوء إليها لطلب المساعدة القانونية والمادية، في سياق معالجة أوسع وأكثر شمولًا وتنظيمًا.

يقينا إن نظرة الفتى /الرجل إلى الفتاة/ المرأة في مجتمع ما هي نتاج عوامل كثيرة تختلط بتقاليد الثقافة والتربية وسياقاتهما وتاريخهما، وتفضي إلى ما نعرفه ويكون جراء كل ذلك، وإن بعضًا من دعم مسارات النمو والتحديث هو في المزيد من تحسين نوعية حياة الفتاة والمرأة المصرية، وذلك ليس بالمعنى الذي ربما ينتقل للبعض بأنه يتحقق وفقط بوجودها وتمثيلها في المناصب الكبرى، ولكن الحديث هنا عن الفتاة والمرأة “العادية” تلك التي في البيوت والشوارع والأسواق والمصانع والمدارس والجامعات، في الريف والحضر، عن تلك الإنسانة التي تعيش معنا شريكة حياة وتتحمل وحدها في الغالب عبء بعد سلبى في تراث الممارسة الاجتماعية.

سيكون اهتمام الجمهور المكثف بمتابعة تلك الحوادث الفردية على تواترها مدخلًا مهمًا لبناء وعى أشمل، يقطع دائرة أن تكون محض مادة للتعليق والنقاش على منصات التواصل، وهنا يجدر أن تتحلى التغطية بمجموعة عناصر وأكواد حاكمة تفرض ضرورة عدم التعمق في الجوانب الشخصية جدًا للمرأة غير ذات الصلة المباشرة بالحادثة وبما يُصعب من إعادة الدمج المجتمعي لها، ثم الانطلاق إلى إضافة أبعاد أوسع تبرز رأي الخبراء والمسؤولين عن كيف يمكن استيعاب المتضررة ومنحها كافة الضمانات الحياتية للعلاج والاستمرار، وكذلك بيان كيفية رعايتها ودعمها بعد ما حدث لها، كما تمنح أفقا وتنويها وتوعية لأخريات من أن يحدث لهن ما جرى وكيف يتعاملن مع ذلك إن حدث، تلك العناصر من التغطية لا بد أن تكون حاضرة تمامًا وتشكل جوهر كود التغطية لحوادث العنف الأسرى الموجه ضد المرأة .

وعلينا أن نعي ونحن ننظر لتلك الحوادث الماسة بكرامة أنها شر كامل يجدر العمل على استئصاله والإشارة المتكررة لخطره والتحذير منه وتوفير وعي بتقاليد التعامل معه حين ظهور بوادره، وبأن يضاف ذلك الوعي؛ ليكون متضمنًا في أنشطة التعليم مبادرات وفعاليات للأطفال في مختلف مستويات التعليم وعبر تنوعات منظومة المدارس بمناهج مصرية ودولية، كما يمتد ذلك؛ ليكون جزءًا مهما من أنشطة وفعاليات جامعية للشباب.

إن إتاحة قدرات تطوير ودعم للفتيات والنساء في الطبقات الاجتماعية الفقيرة تعوض ما فات بعضهن من تعليم وحماية أسرية وتقدم مسارات تعويضية للتأهيل وللعمل في أشكال مهنية متنوعة تناسب ظروفهن هو محور رئيسي في بناء تحصين مجتمعي وإنساني رشيد تجاه ظاهرة العنف الموجه للمرأة على اختلاف مظاهرها وأشكالها ومستوياتها، وهو شأن يجدر أن تبادر الأحزاب بالعمل فيه؛ ليكون جزءًا من مهام مقراتها في المحافظات والأحياء وأيضًا هو دور توعية واجب تضطلع به مراكز الشباب المنتشرة جغرافيًا بإنشاء روابط مؤسسية داخلها ترتبط بمؤسسات الدولة المعنية.

سيكون جزءًا من بناء دليل المعاملة الرشيدة وعيًا وسلوكًا لدى الرجل المصري هو القضاء على ازدواجية المدركات بين دور ومكانة المرأة لديه أمًا وابنة وأختًا وبينها زوجة وإنسانة وزميلة، وإن إنهاء ازدواجية التفكير والحياة بشأن ذلك هو بعض من سبل الترقي مجتمعيًا نحو حضور إنساني نبيل.