أبريل 13, 2021

احزاب نيوز

أحدث الأخبار

«الوطن» أمام منزل أحمد خالد توفيق.. هنا عمّر «العراب» قلوب جيرانه بالحب – مصر


شارعٌ جانبيٌ ترابي غير مرصوف، المطبات والحفر تغطي كل متر فيه، متفرع من أحد الشوارع الرئيسية في مدينة طنطا عاصمة محافظة الغربية، وفي وسط الشارع يقف ذلك المنزل شاهدًا على مسيرة «العراب» أحمد خالد توفيق، الذي يضم بين جنباته وأركانه وفوق حوائطه وفي غرفه وحجراته ذكريات مسيرته التي عاشها بداخله طبيبًا وكاتبًا وأديبًا وروائيًا وملهمًا للشباب.

الشباب في المدينة الصغيرة والشارع الرئيسي الذي يتفرع منه شارع منزل أحمد خالد توفيق، يعرفون المنزل أكثر من العجائز هناك، فبمجرد السؤال عن منزل «العراب» في الشارع، ينبري أحد الشباب لوصفه، ولا عجب في الأمر، فمنزله كان دومًا مفتوحًا لهم يعطيهم من خبرته وادبه وعلمه، كان ملهمًا لهم ومعلمًا وأستاذًا ومرشدًا ودليلًا، وداخل ذلك المنزل شاركوا في بناء أسطورته، والتعلم منه، ونعيه، ووداعه، وإحياء ذكرى رحيله الثالثة.

في مقدمة شارع «ثروت» الذي ولد وعاش فيه الدكتور أحمد خالد توفيق، تجلس أم أيمن تلك السيدة الكهلة على أحد الحجارة، مرتدية عبائة صفراء وحجاب أزرق اللون، تفرش بضاعتها على قطع من الأخشاب، فاعتادت على بيع الخضروات المجهزة في ذلك الشارع قبل سنوات، مجرد طرح اسم الكاتب الراحل عليها لم تتعرف عليه، إلا أنها فور أن شاهدت صورته تعرفت عليه، فاعتادت رؤيته مرات عديدة في الصباح خلال ذهابه إلى عمله، وكان دائما يلقي عليها التحية.

«أم أيمن»: تحدثت معه عن مرض ابنى مرتين على إنه دكتور.. وبعد وفاته اكتشفت أنه كاتب

بصوت ممزوج بالحزن تحكي السيدة الخمسينية قصتها مع «العراب»، فلم تتحدث معه سوى مرتين في حياتها، حين علم أحد أصحاب المحال المجاورة في الشارع عن مرض ابنها، اقترح عليها استشارة الدكتور أحمد خالد توفيق، فلم تكن تعلم إذا كان طبيبا أو كاتبا، لتقرر مخاطبته في أحد الأيام عن ذلك، «قولتله قصة تعب ابني، وشاف الإشاعات، وبعتني لدكتور تاني مع توصية»، والمرة الثانية حين تحدث معها عن تطورات حالة ابنها الصحية، وعدا هاتين المرتين كانت الأحاديث المتبادلة بينهم هي جملة «صباح الخير».

يوم وفاة «العراب»، كان مشهدا مهيبا لم تنساه بائعة الخضروات رغم مرور 3 أعوام عليه، العشرات من الشباب والشبات قدموا إلى هنا في حزن وبكاء، يريدون أن يلقوا النظرة الأخيرة على كاتبهم المفضل، الكل يبحث عن قبره ليودعه ويقرأ الفاتحة له، «لحد ما توفي مكنتش أعرف أنه كاتب ومؤلف، كنت بحسبه دكتور بس»، كلما ذكرت سيرة الراحل أمام أي من سكان الشارع يدعون له بالرحمة والمغفرة، ويشكرون احترامه وأخلاقه.

«إبراهيم» صاحب محل مجاور للمنزل: كان خلوقاً متواضعاً وكاتبا كبيرا

في الجهة المقابلة من المنزل، على بعد أمتار قليلة يقع محل البقالة الذي كان يتعامل معه الدكتور أحمد خالد توفيق بصورة مستمرة، إبراهيم محمد صاحب ذلك المحل، والذي كان على تواصل دائم معه، وكافة الاحتياجات من البقالة التي كان يرغب «توفيق» في شرائها كانت منه، عدا تلك المنتجات التي كانت غير متوافرة، «كان دائما يتصل بيا قبل ما ييجي البيت ويسألني على الحاجات اللي عايزها، عشان لو مش عندي يجيبها من مكان تاني قبل ما ييجي».

التواضع والتلقائية، سمة بدت واضحة لكل من يتعامل مع «العراب»، خلال سيره في الشارع يلقي التحية على كل من يقابله، يستمع بإنصات لمشكلات وحديث أي شخص حتى وإن كان صغيرا، لا يتوانى في تقديم المساعدة إذا كانت في استطاعته، «البيت اللي عايش فيه هو منزل أسرته، وكلهم مع بعض، وكلهم أخلاقهم طيبة ومتواضعين وأخلاقهم طيبة، وعمرنا ما سمعنا عنهم أي مشاكل»، وفقا لقول «إبراهيم».

حتى الطريقة التي كان يسير بها «العراب» في الشارع كانت مميزة، فكان كثيرا يلاحظه مالك محل البقالة طوال مدة تعامله معه التي استمرت أكثر 10 أعوام، «كان بيقي ماشي في ملكوت لوحده أو سرحان، أكيد كاتب ومفكر كبير زيه، بتكون دماغة مشغولة وبتفكر كتير»، ورغم ذلك فإذا استوقفه أحد فكان يجد ذهنه حاضرا، ينصت لهم ويتناقش معهم، لذا كان الجميع يحبه ويسعد بلقائه والحديث معه.

منذ أن توفي «العراب» في الثاني من أبريل لعام 2018، لم ينقطع عن قرائه ومحبيه، فالكثير من الشباب يتوجهون إلى «إبراهيم»، لزيارة منزل أحمد خالد توفيق، أو يطلبون معرفة مكان قبره لزيارته وقرائة الفاتحة له، «شباب كتير بييجوا من محافظات بعيدة اللي من السويس والقاهرة الإسماعيلية، وسوهاج، كلهم بيحبوه»، لكن أسرة الراحل رغبت في الابتعاد وعدم الحديث عنه في أي مناسبة حتى للإعلاميين.

طوال مدة تعامل «إبراهيم» مالك محل البقالة مع الراحل التي امتدت لأعوام طويلة، لم يقرأ له أي شيئ رغم معرفته بذلك ظنا منه أنه كان عاديا، ولكن حين شاهد الكثيرون من محبيه والذين حزنوا بشدة لوفاته، قرر أن يقرأ بعضا مما كتب، «نزلت كتب ليه من على الإنترنت وقرأت ليه حاجات زي يوتوبيا، وممر الفئران، فعلا كان كاتب كبير، يستاهل حب الناس واحترام الناس له»، حسب حديث «إبراهيم».

سراج: كان يتفاعل مع قرائه ويستمع لهم وكنت أتمني أن التقط معه صورة لكنني تأخرت

في نهاية الشارع الذي عاش فيه الكاتب الراحل، يقطن حسام سراج، الذي اعتاد رؤية أحمد خالد توفيق، مرات عديدة، فكان يفخر لكونه يسكن بالقرب منه، فبداية تعارفه عليه من خلال مؤلفاته، «بعد ما قرأت له عرفت إنه ساكن جنبي، وبعد كدة كان نفسي أشوفه لحد ما قابلته أول مرة»، وكان على عكس ما توقع فكان متواضعا، لا يحب فكرة كونه مشهورا، ويتفاعل من قرائه ويستمع لهم حتى وإن كان هناك مناقشة لبعض النقاط.

روايات عديدة قرائها الشاب الثلاثيني للكاتب الراحل، منها ما وراء الطبيعة، إيكاروس، ويوتيوبيا، جميعهم كانت تشبعه ثقافيا وتمتعه بوقت فراغه، ورغم رؤيته له في العديد من المرات، لكنه كان يتردد في الحديث معه، «بيمشي تحسه أنه منسجم وبيفكر أو بيتأمل، ومكنتش بحب أقطع تفكيره بالكلام، رغم إني فضلت سنين نفسي أتصور معاه، بس اتأخرت للأسف وملحقتش أخد الفرصة دي»، حسبما قال «سراج».

رحيل «العراب» ترك حزنا في قلب «سراج» لم يذهب حتى الآن، فلم ينس يوم وفاته، وبدايته كانت في انتشار نبأ الوفاة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليقرر الذهاب إلى منزله للتأكد من الخبر، ليجد الكثير من الشباب جالسين على الأرصفة ينتظرون النفي الذي سيريح قلوبهم، إلا أنهم لم يسمعوا سوى صرخة وحيدة أكدت لهم ذلك الخبر المشؤوم، «الكل كان في حالة حزن شديدة، ومش عايزين نصدق الخبر ده».

مرتان زار فيهما «سراج»، قبر العراب، الأولي كانت بعد وفاته بأيام قليلة، فظل لفترة عاجزا عن تصديق نبأ رحيله بعد معاناة أمراض القلب وقبل وفاته أجرى عملية كي في عضلة القلب، وهي عملية مخصصة للقضاء على «رعشة» تصيب القلب، والثانية كانت في ذكراه الأولي، وهناك وجد الكثير من محبيه يحيون ذكراه.